الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
233
مختصر الامثل
واسع وعميق . يعني أنّ المسلمين بقدر ما يجب عليهم تجنّب الظلم ، يجب عليهم كذلك أن لا يستسلموا للظلم ولو قلّ الذين يتحمّلون الظلم لقلّ الظالمون أيضاً . « وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ » . استكمالًا لبيان حق الدائن في الحصول على رأسماله « بدون ربح » تبين الآية هنا حقّاً من حقوق المدين إذا كان عاجزاً عن الدفع ، ففضلًا عن عدم جواز الضغط عليه وفرض فائدة جديدة عليه كما كانت الحال في الجاهلية ، فهو حقيق بأن يمهل مزيداً من الوقت لتسديد أصل الدَين عند القدرة والاستطاعة . « وَأَن تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ » . وهذه في الواقع خطوة أبعد من المسائل الحقوقية ، أي أنّها مسألة أخلاقية وإنسانية تكمل البحث الحقوقي المتقدم ، تقول الآية للدائنين أنّ الأفضل من كل ما سبق بشأن المدين العاجز عن الدفع هو أن يخطو الدائن خطوة إنسانية كبيرة فيتنازل للمدين عما بقي له بذمّته ، فهذا خير عمل إنساني يقوم به ، وكل من يدرك منافع هذا الأمر يؤمن بهذه الحقيقة . من المألوف في القرآن أنّه بعد بيان تفاصيل الأحكام وجزئيات الشريعة الإسلامية يطرح تذكيراً عاماً شاملًا يؤكد به ما سبق قوله ، لكي تنفذ الأحكام السابقة نفوذاً جيداً في العقل والنفس . لذلك فإنّه في هذه الآية يذكّر الناس بيوم القيامة ويوم الحساب والجزاء ، ويحذّرهم من اليوم الذي ينتظرهم حيث يوضع أمام كل امرئ جميع أعماله دون زيادة ولا نقصان ، وكل ما حفظ في ملفّ عالم الوجود يسلّم إليه دفعة واحدة ، عندئذ تهوله النتائج التي تنتظره ، ولكن ذلك حصيلة ما زرعه بنفسه وما ظلمه فيه أحد ، إنّما هو نفسه ظلم نفسه « وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ » . ومما يلفت النظر أنّ تفسير « الدرّ المنثور » ينقل بطرق عديدة أنّ هذه الآية هي آخر آية نزلت على رسول اللَّه صلى الله عليه وآله ولا يُستبعد هذا إذا أخذنا مضمونها بنظر الاعتبار . إنّ للربا أثراً أخلاقياً سيئاً جدّاً في نفسيّة المدين ويثير في قلبه الكره والضغينة ، ويفصم عرى التعاون الاجتماعي بين الأفراد والملل .